الدين والحداثة: التدين في زمن العلمنة
العلمنة: أسطورة القرن العشرين؟
ظلت نظرية العلمنة (secularization thesis) – التي تقول إن الحداثة تؤدي حتمًا إلى تراجع الدين – هي السردية الكبرى في علم الاجتماع الديني طوال القرن العشرين. بيتر بيرغر (في مرحلته الأولى)، برايان ويلسون، ستيف بروس: كلهم رأوا في الحداثة (العقلنة، التعددية، الفردانية، التمايز المؤسسي) قوى تؤدي إلى تآكل الدين. لكن الواقع في مطلع القرن الحادي والعشرين كان أكثر تعقيدًا. الدين لم يختفِ: هو تحول. في أوروبا، تراجعت المسيحية المؤسسية. في الولايات المتحدة، بقي الدين قويًا. في العالم الإسلامي، حدثت “صحوة إسلامية” منذ السبعينيات. في أمريكا اللاتينية وأفريقيا، انفجرت الخمسينية. نظرية العلمنة لم تكن “خاطئة” تمامًا، لكنها كانت “أوروبية المركز” أكثر مما ينبغي: ما حدث في أوروبا (تراجع الدين) ليس قانونًا تاريخيًا شاملًا، بل مسارًا خاصًا مرتبطًا بتاريخ أوروبا الفريد (حروب دينية، احتكار كنسي، ارتباط الكنيسة بالنظام القديم).
NRMs كرد فعل على الحداثة
الحركات الدينية الجديدة (NRMs) – من المورمونية وشهود يهوه في القرن التاسع عشر إلى كنيسة التوحيد (مون) والهار كريشنا والسيانتولوجيا في القرن العشرين إلى ظواهر “روحانية بلا دين” في القرن الحادي والعشرين – يمكن قراءتها كلها كاستجابات للحداثة. بعضها “يرفض” الحداثة ويعود إلى “أصول” متخيلة (الأصولية). بعضها “يتكيف” مع الحداثة ويعيد صياغة الدين بلغة علمية/عقلانية (شحرور). بعضها “ينقد” الحداثة من موقع ديني (الإسلام السياسي). وبعضها “يستوعب” الحداثة ويحولها إلى جزء من منتجه الديني: المورمونية، رغم محافظتها الاجتماعية، تستخدم التكنولوجيا والعقلانية التنظيمية بشكل مكثف. إيلين باركر، في دراستها لـ NRMs، أظهرت أن هذه الحركات ليست “بقايا” من عصر ما قبل الحداثة، بل هي “نتاج” الحداثة: إنها تستخدم أدوات الحداثة (الإعلام، التنظيم البيروقراطي، العقلانية) لإنتاج “دين” في سياق حديث.
شحرور: المصالحة مع الحداثة
مشروع شحرور هو، في جوهره، مشروع “مصالحة” بين الإسلام والحداثة. هو لا يريد إسلامًا “ضد” الحداثة ولا إسلامًا “منعزلًا” عنها، بل إسلامًا “متوافقًا” معها. آلية المصالحة هي إعادة تعريف المفاهيم القرآنية لتتوافق مع المعرفة العلمية الحديثة. إذا قال العلم الحديث إن الكون تطور عبر مليارات السنين، فالقرآن (عند شحرور) لا ينفي ذلك بل يؤكده. إذا قالت الحداثة بحقوق الإنسان وحرية الاعتقاد، فالقرآن (عند شحرور) يؤسس لذلك. هذا المشروع يريح المسلم المعاصر الذي يعيش الانفصام بين تعليمه الحديث وهويته الدينية. لكنه يثير سؤالًا: هل المصالحة مع الحداثة على “شروط الحداثة” تعني أن الإسلام فقد خصوصيته؟ متى تصبح المصالحة استسلامًا؟
أركون: نقد التراث بأدوات الحداثة
أركون يمثل نموذجًا آخر: هو لا “يصالح” بين الإسلام والحداثة، بل “يستخدم” أدوات الحداثة (الفلسفة النقدية، التاريخانية، السيميوطيقا، الأنثروبولوجيا) لنقد التراث الإسلامي. مشروعه ليس “إصلاحيًا” (كشحرور) ولا “أصوليًا” (كالإسلام السياسي)، بل هو “نقدي”. أركون يريد أن يُخضع التراث الإسلامي لنفس “القطيعة الإبستمولوجية” التي أخضعت المسيحية في الغرب للمنهج التاريخي النقدي. لكن هذا المشروع يواجه مقاومة مزدوجة: من المؤسسة الدينية التي ترى فيه “تغريبًا” للإسلام، ومن بعض العلمانيين الذين يرون أنه “يحافظ على مركزية الإسلام” بدل تجاوزه. أركون عالق بين معسكرين: “إسلامي” أكثر مما يقبل العلمانيون، و”علماني” أكثر مما يقبل الإسلاميون.
الفردانية: دين “افعلها بنفسك”
من أبرز سمات الحداثة الدينية صعود “الفردانية الدينية”: لم يعد الدين “موروثًا” بالولادة، بل أصبح “مُختارًا” بفعل فردي. المؤمن الحديث يريد دينًا “مخصصًا” (customized) يلبي احتياجاته الشخصية. هذه الفردانية هي ما تغذي السوق الديني التنافسي، وهي ما يفسر ظاهرة “التدين الانتقائي” (pick-and-choose religion) و”الروحانية بلا دين” (spiritual but not religious). شحرور يخاطب هذه الفردانية: أنت، القارئ الفرد، تستطيع أن تفهم القرآن بنفسك دون وساطة المؤسسة. أركون يخاطب نخبة فردانية أيضًا: أنت، الباحث الفرد، تستطيع أن تنقد التراث بأدواتك النقدية. حتى المورمونية، رغم طابعها الجماعي القوي، تستجيب للفردانية عبر تأكيد “العلاقة الشخصية مع الله” والتركيز على “الاختبار الفردي” للتحول.
التعددية والدين: كيف يتعايش المتناقضون؟
الحداثة تفرض التعددية: لم يعد هناك دين واحد في المجتمع، بل أديان متعددة، إضافة إلى اللا-دين واللادين. هذا الوضع التعددي يطرح تحديًا كبيرًا للأديان التي تدّعي “الحقيقة الحصرية”. الإسلام التقليدي يصنف غير المسلم في فئة “الكافر” أو “أهل الكتاب” أو “المشرك”. المورمونية التقليدية ترى في كنيستها “الكنيسة الحقيقية الوحيدة”. كيف تتعايش هذه “الادعاءات الحصرية” مع “الواقع التعددي”؟ الإجابات متنوعة: بعض المؤمنين يعيدون تفسير النصوص الحصرية بشكل “شمولي” (كل الأديان طرق إلى الله). بعضهم يتبنى “التسامح البراغماتي” (نحن على حق، لكننا نقبل عيش الآخرين). بعضهم ينسحب من المجتمع التعددي إلى جيتو ثقافي. هذا التوتر بين الحصرية والتعددية هو من أعمق توترات الدين في الحداثة.
خاتمة: الحداثة كفرصة وتهديد
الحداثة ليست “خصمًا” للدين ولا “صديقًا” له. إنها “شرط” جديد للوجود الديني: شرط يفرض تحديات (العلمنة، النقد التاريخي، التعددية، الفردانية) ويفتح فرصًا (حرية الاختيار، التواصل العالمي، إعادة تفسير النصوص). الدين في الحداثة ليس ناجيًا من الغرق، ولا غارقًا بالضرورة. إنه يسبح في بحر مختلف عن البحر الذي سبح فيه أجداده – بحر أكثر اضطرابًا، وأكثر انفتاحًا، وأكثر تحديًا، لكنه بحر لا يزال فيه مكان للسباحة الدينية.